القاضي عبد الجبار الهمذاني
183
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : فيجب أن تقولوا في دعاء إبليس مثل ما ذكرتم في اللطف ، لأن حال المكلف لا يتغير في صحة الفعل منه على وجه واحد بوجود الدعاء أو بعدمه . قيل له : كذلك يجب على ما رتبنا القول فيه ، وذلك لأن زيادة الشهوة قد غيرت حال المكلّف في باب الامتناع مما يشتهيه فصيرته أشق عليه منه لو لم يحصل فيها زيادة ، وصار لزيادتها تأثير في أنه يصح منه أن يمتنع من القبيح إلا على الوجه الأشق . فلا يجوز ، والحال هذه ، أن يكلف الامتناع من القبيح على غير هذا الوجه . وليس كذلك إذا دعاه إبليس ، لأن قدرته وسائرا أحواله لم تتغير بدعائه . فلو كان المعلوم عند ذلك أن يفعل القبيح ولولاه « 1 » كان لا يمتنع « 2 » ، لوجب أن يمنع تعالى من ذلك على حسب ما ذكرناه في اللطف . فإن قال : إن الامتناع من القبح مع قوة الدواعي إلى فعله في أنه أشق بمنزلة الامتناع منه مع زيادة الشهوة / ، فإذا حسن عندكم منه تعالى أن يزيد في شهوته مع علمكم بأنه يقدم على القبيح ، ولولاها كان لا يقدم عليه ، فهلا جاز أن يمكّن إبليس من الدعاء « 3 » ، أو لا يفعل اللطف ، فيقع عند ذلك من المكلف القبيح على وجه يشق ؟ قيل له : إن دعاء إبليس قد يحصل وحال المكلف لا تتغير بأن لا يكون داعيا له إلى القبيح إما لقوة بصيرة أو لدواع تقابل « 4 » ، وليس كذلك زيادة الشهوة لأنها تغير حاله لا محالة . فإن قال : ألستم تجعلون الحاجة بمنزلة الحاجة المقطوع بها في أن عنده يكلّف العبد ؛ وكذلك عند الاعتقاد أن له في الضرر منفعة ، يكلف الامتناع منه ، وإن
--> ( 1 ) أي لولا دعاء إبليس . ( 2 ) أي كان لا يمتنع عن القبيح . ( 3 ) في الأصل مع . ( 4 ) إما لقوة بصيرة أي عند الشخص الّذي يدعوه إبليس إلى المعصية ، أو لدواع تقابل : أي دوافع تعارض ما يدعو إليه إبليس .